العنف وفن العيش لدى المسلمين! – محمد الشوا

. . ليست هناك تعليقات:




يبدو من خلال القرن العشرين برمته، خصوصاً بعد الاستقلال، بأن العنف هو فن عيش وطريقة حياة لدى الشعوب الإسلامية، وهذا العنف المستمر بلا نهاية قد أصبح عائق رئيسي أمام التنمية وإيجاد تكتلات حضارية ناهضة لها موقع سيادي وإيجابي ضمن الخارطة العالمية. فمن بين 50 صراعاً سياسياً أو اثنياً حدث في 1993/1994 كان هناك 11 صراعاً بين المسلمين وغيرهم، و 15 صراعاً في ما بين المسلمين، و 10 صراعات في جنوب الصحراء الأفريقية. (راجع صدام الحضارات – صموئيل هنتينغتون ص 417)

لهذا العديد من الأسباب، وفي أولها البنية الثقافية للديانة الإسلامية، فهي لم تنشأ كما المسيحية أو البوذية مثلاً في بيئة زراعية تطمح نحو الاستقرار والعمل، وإنما في بيئة رعوية قبلية تعتمد على الترحال والتنقل الدائم بحثاً عن الموارد الاقتصادية، كما إن الغزو هو الوسيلة المفضلة للحصول على الموارد المادية. ولهذا فإن النبي محمد كان قائداً للجيوش بينما لم يكن كذلك لا المسيح أو بوذا أو كونفوشيوس، كما إن الفتوحات الإسلامية كانت قائمة على أساس الحصول على الخراج والجزية عن طريق العنف، وكما يبين د.علي الوردي فإن “المهنة” اشتقت في الإطار اللغوي العربي من دلالية المهانة والمذلّة، والبدوي ينظر لمن يعتاش من العمل على أنه مسلوب الرجولة والكرامة، والجهاد يحتل المحور الأساسي في الممارسة الإسلامية.

كما أن التأثير القبلي كان واضحاً في الخلافات السياسية الداخلية، فالولاء يجب أن يكون لشيخ القبيلة الأوحد، مع عدم القابلية للتعايش مع صيغة تعديدية للحكم السياسي وفكرة التبادل السلمي للسلطة، ولهذا لم يكن ثمة أي مجتمع ديمقراطي في العالم الإسلامي، ما عدا تجربة خجولة في تركيا، وسببها أساساً مشروع التغريب والتأورب الذي طرحه الكماليون هناك، في السبعينات والثمانينات وحتى اليوم، أخذت الحكومات الديكتاتورية تتساقط الواحد تلو الأخرى في ما اعتبره فوكوياما نهاية التاريخ على الأساس الديمقراطي الليبرالي، وهذا حدث في شرق آسيا وجنوب وشرق أوربا وأوراسيا وأمريكا اللاتينية، لكن الاستثناء الوحيد كان العالم الإسلامي (وربما أفريقيا). إن الدولة الحديثة ما تزال غريبة عن الثقافية الإسلامية الخلافوية، كما أن أولية الولاء القبلي تبدو متجذّرة بحيث يصبح التعايش مع أي أثنية أخرى ذات ولاء مغاير أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً. البوذيين والكنفوشيوسيين والمسيحيين يتعايشون دون أدنى مشاكل تذكر في شرق آسيا، في تايلاند والفلبين مثلاً. لكن هؤلاء جميعاً في حالة صدام دائم مع المسلمين وغالباً تتحول الحالة للحرب الأهلية كما في اندونيسيا والفلبين وتايلاند وبدرجة أقل ماليزيا. لأن الولاء ضمن الثقافة الإسلامية لا يكون للدولة والدستور المجمع عليه ضمن مبدأ المواطنة، وإنما الولاء للدين وللخليفة وللشيخ الأكبر وهو الله، ومبدأ الولاء والبراء يعتبر من الأسس العقدية الإسلامية.

لكن التأثير الثقافي التاريخي لم يكن وحده كافياً للوصول لما نحن فيه من أزمة. حيث إن العالم الإسلامي لم يشهد أي نهضة اقتصادية حقيقة ما عدا حالات قليلة معزولة، وإن الانهيار الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر كان مترافقاً كذلك مع انفجار ديموغرافي هائل، فأغلب الشعوب الإسلامية تضاعفت ما بين ثلاث إلى خمس مرات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. سوريا مثلاً كان تعدادها حوالي الخمس ملايين في الخمسينات والآن أصبحت اثنان وعشرون مليون، كما أن مصر قاربت التسعين مليون بعد أن كانت حوالي خمس وعشرون فقط في أوائل الستينات. الفلسطينيين أصبحوا حوالي احد عشر مليون بعد أن كانوا بضع مئات من الآلاف في عام النكبة. وهذا الانفجار الديموغرافي مع غياب تنمية اقتصادية يعني أغلبية شريحة عمرية شابة أعمارها أقل من 24 في المجتمع، وطبعاً جزء كبير منها إما عاطل تماماً عن العمل أو غير راضٍ عن عمله والوارد الاقتصادي الضعيف. وأعلى نسبة بطالة في العالم وكذلك في النمو الديموغرافي فالمسلمين في المرتبة الثانية، فقط بعد شعوب جنوب الصحراء الأفريقية ! وقد كانت تلك الكتلة السكانية هي المحرك الأساسي لكل أشكال العنف، سواء داخل المجتمع أو ما هو موجه خارجه. (راجعDemographic Transition in the Middle East: Implications for Growth, Employment, and Housing – Pierre Dhonte, Rina Bhattacharya, and Tarik Yousef p9)

وهذه الكتلة العاطلة والناقمة لم تستطع تكوين أي رؤية نقدية للواقع الحالي، وبذلك تكون ثمة إمكانية للتغير، وبدلاً من ذلك التف هؤلاء حول المنابع الأصولية الإسلامية، وانضموا لهذه التيارات التي أدمنت لوم “الآخر” الخارجي، والذي سببه بمؤامراته الدنيئة كل ما يعيشوه من كوارث، وقد تم تضخيم هذا الآخر لدرجة أسطورية وتجنبوا لوم الذات خشيةً من أي جرح نرجسي. فهناك الماسونية والصهيونية التي خطط لكل هذا منذ مئات وربما آلاف السنين (مثل البروتوكولات الرائجة جداً في الثقافة الجمعية). وغياب أي تيار عقلاني نقدي تجديدي قادر على اكتشاف أسباب الخلل، وإحداث نهضة، وحدوث الالتفاف حول التيار الديني الخرافي التقليدي مرده للتاريخ أولاً، حيث إن العدو التقليدي و”الآخر” مازال يعتبر “الغرب المسيحي” بكل قيمه حتى الحديثة منها، وبالتالي كان “الأنا” عليه أن يكون شرقياً إسلامياً. وثانياً فقد كان هذا التيار هو الوحيد الموجود على أرض الواقع، فالتيارات الليبرالية كانت ممنوعة عن العمل الواقعي وملاحقة من أجهزة السلطات التقليدية. وهذا الأمر كان فيه التياران سواء، لكن بينما لدى الإسلاميين مساجد ومؤسسات تعليمية واجتماعية وثقافية وخيريّة واسعة، ولا يمكن للدول منعها، فإن الليبراليون كانوا فاقدين لذلك كله. ولهذا فإن اللوم بالتدهور نحو الخراب الديني يقع في جزء منه على الحكومات التي كانت تدعي التنويرية والعلمانية.

إن واقع المسلمين اليوم هو فعلياً كارثة على الجميع، ونحن حالياً في حالة طفالة حضارية، وكأننا ذلك الطفل المشاكل الذي يريد أن يمارس لعبته الحالمة رافضاً وصاية الأخوة الكبار عليه، ولو أدى لعبه ذلك لكوارث لا حصر لها. وإن كان بعض المنظرين المتطرفين يرون بضرورة الإبادة، فهذا قد يصبح في نهاية المطاف أمراً حتمياً. ومهما بدت مثل هذه الدعوات عنصرية وفجة وخيالية وذلك بالاعتماد على الأسطورة الأخلاقية الرائجة حول الممارسة السياسية الدولية، لكنها فعلياً واقعية. فالشعوب مهما كانت تدعي السلمية فإنها ستلجئ للعنف وبأقسى الأشكال الممكنة إن كان ذلك حتمياً للبقاء بالنسبة لها.

إن ما نحتاجه اليوم للنهوض يماثل عكسياً كل العوامل السابقة، فيجب إحداث قطيعة مع البنية الثقافية الإسلامية، وذلك إما بتحديث الإسلام وعلمنته وعقلنته وإفراغه من مضمونه التقليدي القائم على القبلية والعنف، وخلق إسلام آخر قائم على الرغبة في السلام وقدسية العمل والإنتاج ومتوافق مع بنية الدولة التعددية الحديثة. أو بإلغاء الإسلام نفسه، سواء باستيراد ثقافة خارجية أو بالعودة للجذور الحضارية ما قبل الإسلامية. كما أن التنمية الاقتصادية ستكون أكبر داعم لمثل هذا التغيير البنيوي، نجد مثلاً أن تركيا كلما انطلقت اقتصادياً فإنها تتبع المعايير السياسية الأوربية أكثر وتتراجع في حدة تعاملها في الأقليات الاثنية، كما إن الشعوب الخليجية أصبحت أقل ميلاً للعنف وأكثر انفتاحاً على الآخر العالمي (بغض النظر عن السعودية). وإن مثل هذه التنمية تحتاج لنسف المنهجية الخرافية الأسطورية في التفكير واستبدالها بالعقلانية والعلمية وإن كان حتمياً أن يُحصر ذلك بدايةً في مجالات الاقتصاد والعلوم الطبيعية دون المجالات الإنسانية. كما أن التعليم والبحث العلمي يجب أن يحظى بالجزء الأكبر من الميزانية بدلاً من التسليح والعسكرة كما هو سائد تقليدياً. وطبعاً النمو الديموغرافي يجب أن يُخفض نحو أدنى المعدلات الممكنة، وإن أصبح سلبياً فسيكون أفضل. لأن النمو الديموغرافي في هذه النسبة العالية يصبح عبئاً سلبياً دون أدنى قيمة ايجابية. وإن لم يحصل أي مما سبق وبقي العالم الإسلامي فاقداً للبوصلة وللنخبة الواعية الموجهة. فإننا يجب أن نتذكر أن خيار الإبادة سيكون حاضراً دائما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة