الجونة - فيكي حبيب
تتجه أنظار عشاق الفن السابع في العالم العربي هذه الأيام إلى «مهرجان الجونة السينمائي» الذي استطاع أن ينافس أعرق المهرجانات العربية وأرقاها منذ دورته الأولى التي عقدت العام الماضي، ما أهّله لحجز مقعد مميز في الصفوف الأمامية للمهرجانات العربية.
فالمهرجان الذي افتتح دورته الثانية ليلة أمس بالفيلم الفرنسي «سنة أولى» (إخراج توماس ليلتي) وسط حضور فني وإعلامي لافت، لم يكن نجاحه وليد صدفة، كما لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة عمل دؤوب وتراكم خبرات فريق عمل مجتهد على رأسه مدير المهرجان انتشال التميمي، صاحب الباع الطويل في تنظيم المهرجانات، من هولندا إلى العالم العربي. ولعل تجربته الأكثر رسوخاً عند أهل السينما تبقى مع مهرجان أبو ظبي السينمائي الذي بفضله وفريق عمله، نجح المهرجان خلال فترة قصيرة في سحب البساط من أمام مهرجانات أخرى في المنطقة، قبل أن يتوقف، تاركاً حسرة في نفوس السينمائيين العرب الذين ساعدهم في مسيرتهم من خلال صندوق دعم الأفلام الذي وفّر تمويلاً لعشرات المشاريع خلال سنواته القصيرة أو حتى من خلال إتاحة الفرصة أمام أعمال هؤلاء لتكون في متناول الجمهور الذي يبحث عن المختلف والبعيد من أفلام المقاولات التي تعجّ بها الصالات التجارية. من هنا فإن التحدي كبير أمام مهرجان الجونة في دورته الثانية التي تمتد لثمانية أيام تحفل بالعروض السينمائية والندوات والمؤتمرات التي تضع المشاهدين على تماس مع المخرجين والنجوم وصناع السينما. كما «تشكل همزة وصل بين صناع الأفلام العرب ونظرائهم الدوليين من خلال تنظيم حلقات نقاش وورش ومحاضرات».
عناوين معاصرة
وتبرز هنا عناوين مثل تمكين المرأة من خلال السينما، اللاجئون وقصصهم من خلال السينما، المحتوى الرقمي: من الخلق إلى الحصول على التمويل، الوضع الراهن لدور المهرجانات السينمائية، الطرق الإبداعية في تمويل الأفلام، جمهور المستقبل: أفلام للأطفال واليافعين، مغامرة صناعة الأفلام، ومن النص إلى الشاشة».
عناوين تقدم لمحة بسيطة عن النقاشات التي ستدور خلال أيام المهرجان الذي يجد نفسه اليوم أمام مهمة التفوق على نفسه. فإذا كان مقياس النجاح في فعاليات كهذه، يتحدد بعد الدورة الأولى التي عادة ما تكون كل الجهود منصبة عليها، فإن القائمين على الجونة يراهنون على دورة ثانية أقوى، بحيث لا تكتفي باستثمار نجاحات الدورة الأولى، بل تأخذ أيضاً الدروس والعبر من أخطائها.
ولعل حرص إدارة المهرجان على أن تكون هناك مؤسسة متكاملة لها موازنة سنوية، وفتحها الباب لـ11 راعياً داعماً لهذه الدورة، بعدما اكتفت مؤسسات ساويرس بدعم الدورة الماضية بنسبة 100 في المئة، يضع المهرجان على السكة الصحيحة، خوفاً من أن يجد مصير مهرجانات أخرى، شكّل التمويل حاجزاً أمام استمراريتها على رغم قيمتها الفنية والصورة الجميلة التي كانت تصدرّها للعالم عن الدول التي تقام فيها بعيداً من الصور النمطية لبلادنا.
لكنّ هذا لا يعني أن موازنة مهرجان الجونة سرّ نجاحه، أو هذا على الأقل ما ينفيه مدير المهرجان انتشال التميمي، إذ يقول في كتيب هذه الدورة: «المال وحده لا يصنع مهرجاناً ناجحاً، ولدينا أمثلة عدة على مهرجانات فشلت على رغم توافر أموال غير محدودة لها ونجحت لدى ترشيد تلك الإمكانات. المال ممكن أن يساعد في جذب المشاركات، لكنه ليس العامل الحاسم، ولكن من دون توافر إمكانات مناسبة هناك أيضاً مشكلة كبيرة. ثم أن صناع الأفلام العربية دائماً ما يفضّلون عرض أفلامهم للمرة الأولى في مهرجانات عالمية كبيرة مثل كان وفينيسيا وبرلين وتورنتو وغيرها من المهرجانات قبل عرضها في المنطقة العربية، على رغم أن هذه المهرجانات من دون جوائز. إذاً السمعة والتأثير هما العاملان الأساسيان».
ويقيناً أن الجونة نجح في مدة وجيزة في تكوين سمعة جيدة، لن تكون مهمة المحافظة عليها سهلة البتة، خصوصاً أنه سيجد نفسه مجبراً على سد ثغرة كبيرة أحدثها توقف مهرجان دبي بما كان يمثله من قيمة وتأثير على خريطة السينما العربية، تاركاً وراءه سينمائيين وجدوا أنفسهم أيتاماً لما كان يوفره لهم من إمكانات فنية ويفتح أمامهم آفاقاً كبيرة في بلادنا وخارجها.
ويبدو أن أهل الجونة وضعوا هذا كله في حساباتهم، هم الذين يدركون دور الفن في تطور الشعوب، ويعون أهميته في الشغل على الذهنيات. من هنا لم يكن غريباً أن يردد مؤسس المهرجان نجيب ساويرس أن ما شجعه لتأسيس مهرجان الجونة السينمائي هو «الإيمان القوي والراسخ بدور الفن في نهضة الأمم وتقدمها من جهة، ومقاومة الأفكار الظلامية والرجعية التي عانينا منها وما زلنا من جهة أخرى. وهذا الإيمان هو ما يدفعنا إلى أن نستكمل مسيرة المهرجان على أمل في أن يتشجع آخرون لدعم هذا المشروع الواعد».
فماذا عن البرنامج؟
بانوراما للسينما الراهنة
يتنافس على جوائز هذا العام 15 فيلماً في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و12 فيلماً في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، و22 فيلماً في مسابقة الأفلام القصيرة، إضافة إلى 5 أفلام في البرامج الاستعادية. كما يعرض المهرجان نحو 24 فيلماً خارج المسابقة الرسمية، ليتجاوز العدد الإجمالي 80 عنواناً بزيادة 10 أفلام عن الدورة السابقة.
واللافت أن مسابقة الجونة لا تنحصر بالأفلام العربية، بل يتنافس فيها الفيلم العربي جنباً إلى جنب مع الفيلم الأجنبي، فمثلاً يأتينا في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة من بولندا فيلم بافل بافليكوفسكي «حرب باردة» الذي لفت إليه الأنظار بقوة خلال عرضه في الدورة الماضية من مهرجان كان السينمائي. ومن سلوفينيا يطل فيلم «تاريخ الحب» (من توقيع سونيا بروسَنك) الذي نافس قبل فترة على جوائز مهرجان كارلوفي فاري. كما تشارك أفلام من الهند وسنغافورة وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة وروسيا، وكلها ستنافس أفلاماً آتية من العالم العربي، وهي: «ولدي» (تونس) لمحمد بن عطية الذي شارك في مهرجان كان، و «ريح ربّاني» (الجزائر) لمرزاق علواش و «عندما أضعت ظلّي» (سورية) لسؤدد كعدان (عرض في مهرجان البندقية) و «مَفك» (فلسطين) لبسام جرباوي.
وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، يفخر المهرجان بعرض الفيلم المصري «يوم الدين» الذي منحه دعمه في دورته الأولى، وشارك في مهرجان كان، كما اختارته مصر لتمثيلها في جوائز الأوسكار. ومن الأفلام العربية أيضاً في هذه المسابقة فيلمان عرضا في مهرجان كارلوفي فاري، الأول مصري بعنوان «الحلم البعيد» (مروان عمارة ويوهانا دومكا) والثاني لبناني بعنوان «المرجوحة» (سيريل عريس). ومن لبنان ومصر أيضاً هناك فيلم «الجمعية» (ريم صالح)، فيما يمثل سورية فيلم «عن الآباء والأبناء (طلال ديركي) الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى لأفضل وثائقي أجنبي في «مهرجان صندانس السينمائي» (2018).
وبنظرة سريعة على هذه الأفلام سيتبين أن المهمة لن تكون سهلة البتة أمام رئيس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة المنتج الكرواتي سيدومير كولر (صاحب الفيلم المتوج بالأوسكار «أرض لا أحد») ورفاقة في اللجنة المدير الفني لمهرجان برلين الإيطالي كارلو شاتريان والمخرج وكاتب السيناريو السريلانكي فيموكتي جاياسوندارا والمخرج والمصور السينمائي المغربي أحمد المعنوني والممثل الفلسطيني علي سليمان والمخرجة الجورجية آنا أوروشادزه والممثلة المصرية منى زكي.
وكذا الأمر بالنسبة إلى رئيس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة ألي ديركس، مؤسسة مهرجان أمستردام للفيلم التسجيلي (إدفا) ورفاقة في اللجنة المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي والمخرج الهندي مايك باندي ومستشار البرمجة لمهرجان لندن السينمائي الدولي كيث شيري والمخرج اللبناني هادي زكاك.
احتفاء أوركسترالي بشاهين
وإذا كانت الأفلام الجديدة حاضرة بقوة في «الجونة السينمائي»، فإن تاريخ السينما حاضر أيضاً من خلال احتفالية خاصة تقام لمناسبة 10 أعوام على غياب المخرج المصري يوسف شاهين، وتضم معرضاً لأفيشات كل أفلامه وبعض مقتنياته، كما تتضمن مواكبة مشهدية للقطات من أفلامه تصحب عزفاً حياً لمختارات من الموسيقى التصويرية لتلك الأفلام يقدمها أكثر من 50 عضواً من فرقة موسيقية بقيادة المايسترو هشام جبر.
كما يقام معرض خاص لأفيشات أفلام المخرج الكبير فيدريكو فيلليني لمناسبة 25 عاماً على رحيله. ويحتفي المهرجان بالذكرى المئوية لولادة المخرج إنغمار بيرغمان بعرض فيلمين من أهم أفلامه ومعرض «فوتوغرافيا» بالتنسيق مع السفارة السويدية ومركز الفيلم السويدي.
وعلى خطى المهرجانات العالمية التي راحت تعرض في الآونة الأخيرة حلقات حصرية من مسلسلات شهيرة، يحضر المهرجان النجم باتريك ديمبسي، المشهور بـ «دكتور باتريك» في مسلسل «غرايز أناتومي»، ليقدم لقطات حصرية من مسلسل Devils الذي يلعب بطولته. ومن النجوم الأجانب الذين سترصدهم فلاشات المصورين خلال هذه الدورة أيضاً، تبرز أسماء الممثل البريطاني كليف أوين ومقدم البرامج الأميركي ديف روس والفنان الأميركي أوين ويلسون والفنانة الأميركية ليندي سلون.
إذاً، نجوم وأفلام وأجواء رائعة على شاطئ البحر الأحمر ستكون في انتظار جمهور مهرجان الجونة على امتداد ثمانية أيام. فهل سيكون على مستوى التوقعات؟





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق