أكل لحوم البشـــــــــــــــــــــــــــر، في التابو – محمد الشوا

. . ليست هناك تعليقات:



قد يبدو العنوان غريباً, مع أن فحوى الآتي لن تكون كذلك, فالسؤال المبدئي لماذا لا يجد الإنسان جرماً في أكله كائنات من شاكلة العجول أو الخنازير أو الخراف أو غيرها, ولا يبدو معقولاً بالنسبة له التهام الكائنات البشرية ؟ مع أنه في العصور السابقة, وربما حتى اليوم في مناطق نائية, مازال الأمر مستساغاً, وجد طبيعي !!

لقد استطاع الإنسان في العصور الحديثة تجاوز الكثير من الحواجز الأخلاقية والتي كانت لعصور طويلة محرمات مقدسة مقررة من الكائنات السماوية المفارقة, وتجاوزها كان يعني شتى الصنوف العقابية القاسية… كانت من حيث المبدأ, لا تقتل ولا تسرق, ولا تزني ولا تشتهي جارك أو قريبته… الثانية هي فعلياً رديفة للأولى حيث إن تحديد المسموحات الجنسية كان يهدف لعدم مساس الذكر لإناث هنّ خارج ممتلكاته, وتعود ملكيتهن لذكور آخرين… بالتالي يمكن القول إن قاعدة لا تزني لن تختلف أبداً عن فكرة لا تسرق… وطبعاً هذه القوانين الأخلاقية مطبّقة فقط داخل الجماعة, أما خارجها فالنقيض هو المطلوب… في الداخل القتل والزنى محرّم, أما خارجه فهو حربٌ مقدسة وتمتع طبيعي…

مع تطور الوعي الإنساني ونشوء المناهج النقدية في المعرفة, استطاع الإنسان أن يكتشف أن هذه القوانين لم تهبط من السماء ولا هي ثابتة وصحيحة بالمطلق, وإنما نشأت عن حاجة اجتماعية معينة, وليس هناك من داعي للأخذ سوى بما هو ملائم للتنظيمات الاجتماعية الحديثة, لذلك تمت تنحية جزء كبير من المحرمات الجنسية, ولم يعد لزاماً على الفرد مثلاً أن يتزوج من خارج عشيرته الطوطمية, وبات بإمكان الإنسان ممارسة الجنس مع من يريد, دون المباركة المقدسة ودون تدخل الجماعة ككل, أي تطور الفردانية… لكن بقيت هناك محرمات تتمثل في الارتباط من القرابة الأدنى, أي جنس المحارم… ولست أدري قانونياً في الدول المتطورة كيف هي النظرة لهذا الأمر, لكنه يبقى أمراً غير شائع بالتأكيد…

لكن التابو الآخر الذي لم يتم النقاش حوله كثيراً ما عدا في الدوائر المعرفية البحتة وبعض التجارب السياسية البسيطة وهو تابو العنف, حيث أن أي دعوة فعلية له سيقابل حتماً بردة فعل قوية, ولم هناك حتى مبرر لممارسة العنف حتى ضد الخارج الاجتماعي, ضد الآخر, إلا في الضرورات القصوى, ونرى كيف عانت أقوى دولة في العالم كثيراً حتى استطاعت أن تشن حرباً ضد دولة ضعيفة وذو سمعة سيئة عالمياً كالعراق, مع أن قرار مثل إشعال الحرب العالمية الثانية والتي أودت بحياة ما يقارب ستون مليون شخص كان أسهل بما لا يقارن…

لا أعتقد بأن المسألة هي العداء للعنف من منظور أخلاقي بحت, أي كواجب… وإنما هو كراهية ممارسة العنف من حيث هو كراهية الموت, أي كشعور بالتضامن ولو كان لاشعورياً لأجل حياة مسالمة للجميع… لكن التناقض الصارخ في الموضوع والذي يبقى غريباً عن أي تفسير مبسط, وهو الوله العالي بالعنف كممارسة فنية وأدبية متخلية… فأعظم إنتاج سينمائي في العالم متمثلاً بهوليود يتمحور في معظمه حول شتى ألون العنف, وبعضه مفرط في حدته وساديته… والأدب والشعر لم يخرج كثيراً عن هذا الإطار… لنأخذ مثلاً كافكا, همنتغواي, تشاك بولانيك, دو ساد, بيتر هاندكه, هرتا مولر… الخ….

وذلك لا يمكن أن يبرر إلا بأن العنف قد وجد بالنهاية طريقه نحو الحضور من خلال التصعيد التخيلي بدلاً من الممارسة الواقعية, لكن هذا ما يؤكد بالنهاية من ذهب إليه فرويد, وهو أن العنف (أو غريزة الموت كما يسميه) بالفعل حالة متأصلة في النوع الإنساني, وذو محرك غريزي, وليس الإنسان بطبعه خير كما ذهبت أغلب خطابات الحداثة… أساساً لا يمكن تبرير التحريم المقدس القديم سوى على حضوره المحرّم الذي يُرجى غيابه…

اليوم مازلنا نرى ظاهرة ليست مبررة تماماً, حيث العنف اللغوي مازال يتمحور حول الجنس, فعبارة أريد أن أضاجعك, أو أريد أن أضاجع أختك, أو أنت ابن عاهرة (بمعنى من تُضاجع كثيراً), أو لمس أو لعق الأعضاء الجنسية, كلها مازلت تعتبر شتائم وعنف لفظي بيّن… لكن ما التفسير الدقيق لمثل هذه الظاهرة ؟

يمكن القول إن التعرض للأخت أو الأم شائع في المجتمعات المختلفة أكثر من المتطورة, حيث لم تزل هذه الشعوب تعتبر الأخت أو الأم, من ممتلكات الأخ أو الأب, أي ملكية الذكور للإناث, وهكذا يسهل استفزاز الذكور بالتعدي على هذه الملكية… لكن هناك مفهوم قديم لا أعتقد بأن أي من الباحثين ينكروه, وهو اعتبار المضاجعة فعلاً مرادفاً للانتهاك, وهذا أمرٌ متجذّر في اللاوعي الإنساني الجمعي, وحتى أكثر المجتمعات تحضراً وتحرراً (بالمعايير الحداثية التقليدية) لم تخرج من إطاره ؟ لكن السؤال لماذا ؟؟

ربما تجدر الإشارة إلى أن المجتمعات الزراعية في صيرورة تطورها بدأت تتحول من الأمومة إلى الأبوية, والقواعد الأخلاقية التي ورثناها حتى اليوم أغلبها تعود لبدايات تلك المجتمعات, وعلى النقيض من المجتمعات الأمومية كانت الأبوية منها ذات تراتبية طبقية تضع الذكر الأقوى في قمة المرتبة, وحتى فترة زمنية ليست بالبعيدة نجد أنه لدى القبائل الأفريقية يكون الملك هو الأكثر قوة وفحولة, لا بل يجب على هذا الملك أن ينتحر بمجرد أن تبدأ أسنانه بالتساقط أو يفشل من إرضاء نساءه, كذلك مع بداية نشوء فكرة الحرب دخلت أنساق اجتماعية جديدة لم تعرفها مجتمعات الصيد القديمة, وهي طبقة العبيد, حيث الإناث هن سراري غالباً, والذكور في المرحلة المبكرة قبل البلوغ فهم كذلك هدفاً لرغبة الذكر السيد الجنسية, والذكر العبد مهدد دائماً بالخصي كي يرتبط بالمصالح المبتغاة منه ضمن إطاره سيده, في هذه المرحلة أعتقد بأنه بدأ الربط ما بين الجنس والانتهاك, وما بين الذكورة وما بين السيادة, وما بين القضيب ورمزية القوة… ونشأت المفاهيم المعاكسة للأنثى الضعيفة المنتهكة, وللغلام العبد المخصي عديم الكرامة…

ولليوم لا يبدو بالأفق أن البشر باتوا ذو وعي متقدم لتجاوز هذا الإطار المفهومي القديم ؟ وفي حال لجأنا للتابو الآخر والأكثر رهبة وهو العنف لربما صار بإمكاننا أن نستخدم شتائم تتمحور حوله, أي العنف, وتجاوزنا الشتيمة الجنسية…

وملحوظة أخيرة, إن الكثير مما يمتنع عنه الإنسان يتخيل أن له أساساً فطرياَ, سواء عضوياً أو روحياً بحسب الانطلاق الابستمولوجي, لكن عموماً إن أغلب قيم الخير والشر ذا مضمون ثقافي اجتماعي, وإن قامت بناءاً على غريزة البقاء عموماً, بأبعادها كافة… بل حسب فرويد حتى المسلمة اللاواعية بقذارة ونجاسة الغائط ذات أصل ثقافي اجتماعي وليس بيولوجي, دم الحائض, الجنس بأشكاله المتعددة, وأخيراً العنف…

اذاً نحو وعي أكثر نقدية, وهنا السؤال !! ………………..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة