هل يركز الشاعر في نصوصه على شيء ما؟ ويعد هذا التركيز تطورا في شعره؟
الإلهام يعني إطلاقا إجباريا للمكبوتات الإلهام في الشعر لا يخضع للصدفة أو العفويةِ المعاناة دليل التطهير والتطهير يعني التسامي مع الكوني والإنفلات في عالم الجمال
بقلم: قيس مجيد المولى
هل يعطي مالارميه نهجا للحوادث غير متفق عليه وهل يأذن للغته بانشطار آخر وهو لا يدري أين يتوجه بها؟ ليقدمَ في شعره شيئا من المعاني التي لا تفهم؟ هل يركز الشاعر في نصوصه على شيء ما؟ ويعد هذا التركيز تطورا في شعره، وهل يستطيع من جمع نشوته في ذلك التركيز وهل هو التركيز الذي يخص مواضيع بعينها أم يخص حالة آنية عابرة تركزت بقوتها في وجدانه، أم هو الهروب من المثالية والإدمان على الإسترخاء؟ وهل يمس هذا التوتر طرائق التفكير ويصل الى التشكيك بالإيمان وبالعقائد الدينية وما صاحبها من أمثلة عليا مثلما فعل معاصروه؟
إن مجالات الإغراء لا حدود لها عند التركيز على موضوع بعينه شريطة أن يؤدي هذا التركيز إلى إحداث مخارج لموضوعات أخرى ووفق النظام الداخلي المحسوب لعملية الإشتغال ونزعات هذه العملية واتجاهاتها الرمزية وقدرة التجريب والمحاكاة وسيطرة أو إختلال التوازن ما بين الإستسلام لنشوة القلب أو الإذعان لقوة العاطفة الباطنية، إن الإلهام في الشعر لا يخضع للصدفة أو العفويةِ، فالمعاناة دليل التطهير والتطهير يعني التسامي مع الكوني والإنفلات في عالم الجمال وإفجاع الطبيعة بما يمتلكه الشاعر من متحسسات قصد النيل منها ليرى الكثير من خلال هذا النيل.
ذلك بأنه صنعة وهذا بأنه حس فطري، إن الإلهام يعني إطلاقا إجباريا للمكبوتات وخلق فضاء السحر الآخاذ ليتم الإصغاء بهدوء لمعجزات تصنع معجزات وتتحول كل الأشياء في جسد الإنسان إلى حواس تطارد بعضها البعض وتشترك بعضها مع البعض بالفيض وبدون حيادية إلى المزاج الأكثر إنتشاءً وتحولا نحو بسط سلطة الخيال على أكبر المساحات إثارة للتعامل مع الواقع بغير واقعيته.
ضمن ذلك يقدم مالا رمية في شعره شيئا من المعاني التي لا تفهم، وهو قد مضى في فهمه الخاص للمخيلة تلك التي يراها لا ترسم الأشياء ولا تأتي بالواقع منسوخا أو مترجما بل أن مالارميه يجد أن جودة المخيلة تكمن في مدى قدرتها على تشويه الأشياء التي تراها والتي تتعامل معها لأن السر، لأن العطش، لأن الرؤية الصادقة تكمن هناك في العدم الغامض بالحضور الأصيل عبر الإفصاح العميق في مناطق التوتر.
وأن هذه الدعوة تدعو إلى إحالة المرئي إحالة الآني القريب إلى غياب دائم أي إخلاءها من وظائفها وضمها إلى وظائف أخرى لخلق المتصور المتنوع الذي يعطي معانيَ عديدة ذات التأثير الشمولي لتوضيح أكثر من فَهم في أكثر من قَصد.
وبذلك يرى المتلقي أن القصيدة لا تقف عند حدود واتجاهات غير مرتبطة بحدث معين أو حالة تصويرية رغم تواتر المسميات للأشياء واصطفاف أسمائها العلنية ومن هنا يبدأ مالارمية الخروج بمخيلته، وباستخدام اللغة المعرفة ورموزها وكلاهما ينطويان على السخرية، السخرية التي تعطي للحوادث نهجا غير متفق عليه، وباباً في كيان الكلمة اللغزي وهو يكمل عملية انشطار اللغة بانشطار آخر لتحييدها عن طريقها السالك والتوجه بها نحو العدم.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق