ميلانو (إيطاليا) - “عودة آدم” للشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار يصح أن نطلق عليه “كتابا شعريا” بدل مجموعة شعرية، إذ هو عبارة عن نصٍّ واحد مُطوَّل، نجتازُ عتبته وقد رُسِمت أمامنا جغرافيا اللَّحظة الأولى، شغف الاكتشاف الأول، ومصائر الإنسان الأشدّ ألماً في هذا العالم.
عتبة الكتاب، هي كذلك جملة واحدة، للكاتب والفيلسوف الإنكليزي ألدوس هكسلي، لكنَّها تقول كلَّ شيء “قد يكون هذا العالَمُ جحيمَ عالمٍ آخر”. بهذه الخلفية نشرعُ في تتبع خطى آدم-عبدالرحيم الخصار، على هذه الأرض، كما لو أنَّنا نقرأ سيرة ذاتية لآدم السّابق، الحالي واللاّحق. سيرةٌ تُمحى فيها الحدود بين الأزمنة والأمكنة، بين الأشياء المرئية وغير المرئية، بل إنَّها سيرةٌ تتبنَّى ضمير المتكلِّم، بصيغةِ المفرد، حين يعلن الخصار منذ السطر الأول:
أنا آدَمُ/ أوَّلُ رجُلٍ على هَذِهِ الأرض/ أوْمَأَ للشَّمس ونَادَاهَا باسمِها.
يمضي عبدالرحيم الخصار في رصد تحوُّلات آدمِه، من خلال تفاصيل التَّيه والوحدة والبحث عن سببٍ يجعلُ لوجوده المتوتِّر معنىً. لكنَّ الشاعر سيتعمَّد الإجابة عن أسئلة آدم بإقحامِه في التجربة، يُحيله على مُساءلةِ كلَّ الموجودات، ومحاولةِ الإمساك بأيِّ شيءٍ، بأي حدسٍ، أو إحساسٍ، يجعله ينتبه لما فاته، ما يعيشه الآن، وما سيكون عليه في زمنٍ آخر، كأنّنا بصدد مشاهدة شريطٍ سينمائي طويل، يقفزُ بين أعمار الإنسان، متكئاً على الذاكرة واختبار الألم. وكيفَ يمكننا اللَّعب في مساحةٍ محدودة، قبل أن “يطوي الزَّمَنُ هَذه الحَياةَ سَريعاً/ ويَضَعُها في صُندُوق”.
سيتوقَّف “آدم” عند محطَّاتٍ بعينها، لا ليرتاحَ، بل ليضعنا أمام هولِ مأساةِ الوجود، حينَ تخرج من قاموسِه كلماتٌ على صلة بالحربِ، والقتلِ والمجازر الإنسانية وأنهار الدِّماء التي لا تزالُ تسيلُ منذ أول جريمةٍ إلى اليوم.
“عودةُ آدم” للشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار هي خامسة مجموعاته الشعرية، نصٌّ واحدٌ مطوَّل، كُتبَ بلغة رشيقةٍ، منتقاةٍ بذكاءِ حكيمٍ يرى العالم من عدَّةِ جهاتٍ، يصيرُ مجنوناً في مواضع شتَّى، دون أن يفقد بوصلته في اقتناصِ الشِّعري عبر ملحمةٍ تصبحُ فيها الأسطورةُ مثلها مثل أشياء عالمنا اليوم، متداخلةً مع تفاصيل اليومي، والهامشي في الحياة، حيث يمحي الخصار الحدود بين الواقعي والأسطوري.
ونذكر أن “عودة آدم” لعبدالرحيم الخصار صدرت ضمن سلسلة براءات التي تصدرها منشورات المتوسط وتنتصر فيها للشعر والقصة القصيرة والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق