التمييز بين الدين كنص مجرد وبين الدين بعدما تتناوله الأفهام المختلفة في مختلف الأماكن والأزمنة.
تطورت الكثير من العلوم الإنسانية والطبيعية عن طريق التراكم المعرفي العلمي، وأضاف كل عالم في كل عصر ما لديه من خبرات إلى نتاج من سبقوه، ليصل إلى نتائج ورؤى مماثلة أو يطرح آفاقا معرفية واسعة جديدة.
ولم يكن ذلك التطور مقصورا على النظريات والأفكار والرؤى، بل شمل أيضا الأساليب وطرق البحث والاستقراء وأسس الاستنتاج مما ساعد على اكتساب المزيد من المعارف وتصحيحها.
وحين التأمل في ماهية ذلك التطور، نجد أن كثيرا من العلوم خضعت للتحقيق العلمي، للتحقق من صحة ادعاءاتها، والتأكد من سلامة حقائقها ومراجعة مسلماتها بغض النظر عن قائلها وقداسته، فتطورت وتقدمت أشواطا كبيرة، في المقابل امتنعت العلوم الشرعية أمام هذا التطور العلمي في أساليبه ومناهجه وطرق استنتاجه.
وهنا، يظل التساؤل قائما بين المهتمين بالتجديد الديني، لماذا امتنعت العلوم الشرعية أمام هذا التطور العلمي؟ ولماذا لم يتبن روادها المنهج العلمي الحديث؟
إن الفرضية الرئيسة التي ينطلق الباحثون منها في تفسيرهم لهذه الإشكالية، هي قدرة المنهج العلمي الحديث في فك الارتباط بين الرأي وصاحبة ليسقط عنه هالة القداسة المحيطة بآرائه واستنتاجاته، وهو ما يشكل أزمة حقيقية للعلوم الشرعية أمام متطلباته، خصوصا مع بناء جزء كبير من نظرياته واستنتاجاته على الإيمان المسبق بقداسة بعض شخصياته الدينية، الذي يمثل المعيار الوحيد لقبول الرأي أو رفضه، الأمر الذي يجعل تلك العلوم عاجزة أمام فك هذا الارتباط عن كثير من مسلماتها الدينية.
في ظني أن تلك الفرضية تفسر إحدى إشكاليات المجتمع المتدين المتمثلة في حالة عدم التمييز بين جوهر الدين، وبين تصورات الإنسان عنه باعتبارها أمرا نسبيا ومحدودا، حينما ينقلون القداسة والإطلاق إلى تصوراتهم النسبية والمحدودة، وإلى فهمهم عن الدين، حتى وإن عجزت تلك التصورات عن الإجابة عن تساؤلاتهم، وبدلا من محاولة الرجوع إلى مصادر الدين للنظر بعيون جديدة وآفاق واسعة، يفرضون تصوراتهم الناقصة على الواقع.
هذه الإشكالية أضفت قداسة لكثير من الممارسات تجاه الدين الناتجة من تلك التصورات. الذي قدمه أهل العلم والخبراء في الشريعة من فقهاء ومجتهدين في حاضر الزمان أو قديمه. إنه من المعلوم أن تلك التفسيرات والافهام قد تتأثر بالضرورة بالأفق الثقافي والاجتماعي الذي يعيش ضمنه الإنسان بما فيه من أفكار وشبكات مصالح وهموم وتطلعات ومصادر ضغط وأنماط حياة كما يفسرها علم الاجتماع المعاصر.
ومما لا شك أن تلك العوامل جميعا تشترك في تشكيل انطباعه الأولي عن الموضوعات التي يفكر فيها. كما تترك تلك العوامل تأثيرها على العلاقة بين الموضوع وبين التكييف النظري (الشرعي أوالقانوني أو العقلي) الذي يتطلع إلى التوصل إلى ما يتطلع إليه.
وهنا علينا الاشارة الى نقطة في غاية الاهمية، وهي تركيز الفقهاء على استنباط الأحكام وإهمالهم دراسة موضوع الحكم ألا وهو الانسان جوهر جميع التعليمات الدينية المحفزة لتقويم حياته وتحسينها والارتقاء بها بالالتزام بالقيم والإيمان والسعي نحو التقدم المادي والعلمي والاستقواء والعزة الدنيوية.
والحقيقة أن تلك الدعوة لا تشكل تعارضا بين الربط بين الجانبين بين جانب الايمان والتقدم المادي والعلمي، بل يشكل نجاح ذلك الترابط بين الجانبين معيارا للصلاح والإيمان.
وهنا نجد حقيقة المفارقة بين انشغال الفقهاء بالتفكير في الأحكام واهمالهم التفكير في الإنسان جوهر جميع التعليمات الدينية.
ولعله من الطبيعي أن ينبري البعض للدفاع عن العلوم الشرعية بشكلها الحالي، وأن يدعي البعض عدم صحة بعض النظريات العلمية، ولكن ليس من الطبيعي التجاهل والتغافل لما وصلت له العلوم الحديثة ومنتجاتها، في ذات الوقت لا أحد يدعي أن المنهج العلمي وصل لكماله ولا يمكن تطويره.
وأختم بالقول أنه ينبغي التمييز بين الدين كنص مجرد وبين الدين بعدما تتناوله الأفهام المختلفة في مختلف الأماكن والأزمنة.
حسين أحمد زين الدين





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق