الإسلامي تحول إلى حقل تجارب لممارسات الخلافة الاستبدادية دون الاستفادة من تطور تجارب الأمم المحيطة، ذلك أن 'الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية.
خلاصة من بحث يوسف الديني فتنة الخلافة عند عبد الرازق وفصل الدين عن السياسي'، ضمن الكتاب 129 (سبتمبر/أيلول2017)'الدولة في التنظير العربي والإسلامي...' .الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي
ميدل ايست أونلاين
فكرة الدولة الدينية جسر للإستبداد
يفرق الشيخ علي عبدالرازق بين تناول الفقهاء للإمامة والخلافة مراداً بهما الولاية العامة أو الدولة بالمفهوم الحديث؛ لكنه يستدرك بأنهم لو قصدوا "الحكومة" بالمعنى الحديث كمرادف للخلافة والإمامة، لما كان الخلاف معهم في شيء لأن غاية الأمر أن "الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحاً ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية، يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع: مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية".
وهذا النص من الكتاب في التفريق بين الحكومة والدولة والولاية والإمامة، يؤكد وعي الشيخ المبكر باختلاف المفاهيم بينه وبين خصومه، في توظيف المصطلحات الشرعية وإسقاطها على الواقع السياسي الحديث، ولا شك أن جمع الشيخ بين العلم الشرعي والعلوم الاجتماعية الحديثة التي درسها في أكسفورد، أسهم في هذا الفصل بين تعميمات الفقهاء لمصطلحات شرعية في سياق سياسي مختلف ومغاير، وبين علم السياسة الحديث الذي أحدث قطيعة مع الأنماط والنماذج القديمة لإدارة الحكم وتسيير الدولة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن دور الحكومة في رعاية الدين هو مما يؤكده الشيخ علي عبدالرازق؛ لأن هذا الدور لا يتوقف على شكل الحكومة أو طرائق الحكم التي هي محض اجتهاد دنيوي، وإلا لكانت الخلافة بالمعنى المطلق الشمولي أو الدولة الثيوقراطية/ الدينية جسراً إلى الاستبداد، فـ"الواقع المحسوس الذي يؤيده العقل، ويشهد به التاريخ قديماً وحديثاً، أن شعائر الله ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء، والواقع أيضاً أن صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شر وفساد".
الشيخ عبدالرازق لا ينفي حالة التداخل بين الديني والسياسي في الإسلام المبكر، ويؤكد أنه "لا شك في أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطنة، وأول ما يخطر بالبال مثال من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي (صلى الله عليه وسلم) مسألة الجهاد".
رسالة لا حكم، ودين لا دولة
يعنون الشيخ علي القسم الثالث من رسالته بالتفريق بين الرسالة والحكم وبين الدين والدولة، على اعتبار أن المهمة الأساسية للنبي تتصل بالدعوة والجوانب الروحية أو ما يسميها "الولاية الروحية" التي تزكي المسلمين "قد يتناول الرسول من سياسة الأمة مثلما يتناول الملوك، ولكن للرسول وحده وظيفة لا شريك له فيها: من وظيفته أن يتصل بالأرواح التي في الأجساد، ونزع الحجب ليطلع على القلوب التي في الصدور". فـ"ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب وخضوعه خضوعاً تاماً يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون له بالقلوب اتصال، تلك ولاية هداية إلى الله وإرشاد إليه، وهذه ولاية تدبير لصالح الحياة وعمار الأرض، تلك للدين، وهذه للدنيا، تلك لله، وهذه للناس، تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية، ويا بعد ما بين السياسة والدين"، هذا الدور الروحي هو ما تدعمه: "ظواهر القرآن المجيد التي تؤيد القول بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن له شأن في الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان".
وبإزاء الجوانب الروحية التي تخص المسلمين، فإن شأن الحكم وتسيير الدولة يشمل المسلمين وغيرهم، ولا يمكن تصور أن ينفرد دين بسياسة كل البشرية المختلفين في أديانهم ومعتقداتهم يؤكد الشيخ عبدالرازق: "معقول أن يؤخذ العالم كله بدين واحد، وأن ينتظم البشرية كلها وحدة دينية، فأما أخذ العالم كله بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية فذلك مما يوشك أن يكون خارجاً عن طبيعة البشرية ولا تتعلق به إرادة الله، أجمع المسلمون على أن إصلاح السياسة شطر من مقاصد الإسلام، وهل ادعوا مع هذا أن الإسلام رسم للسياسة خطة معينة ووضع لكل واقعة حكماً مفصلاً؟".
الكتاب الذي يتجدد
ومن الأمثلة على التفريق بين الحكم الديني والدنيوي أورد الشيخ حديث "أنتم أعلم بأمور دنياكم" وفي هذا السياق يؤكد الشيخ عبدالرازق أن "من الأغراض التي أنكر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يكون له فيها حكم أو تدبير، فقال (عليه السلام): "أنتم أعلم بأمور دنياكم" فـ"الدنيا من أولها لآخرها، وجميع ما فيها من أغراض وغايات، أهون عند الله تعالى من أن يقيم على تدبيرها غير ما ركب فينا من عقول، وحبانا من عواطف وشهوات، وعلمنا من أسماء ومسميات، هي أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولاً، وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها وينصبوا لتدبيرها".
وحدة الدين وتعدد السياسة
يختم الشيخ علي عبدالرازق نظريته حول فصل الديني والسياسي بالبحث التاريخي بعد أن استنفد استقراء نصوص الكتاب والسنة والحجاج العقلي تجاه المخالفين، ليؤكد أن العرب عبر التاريخ عرفوا أنظمة وسياسات متعددة، فـ"البلاد العربية تحوي أصنافاً من العرب مختلفة الشعوب والقبائل، متبانية اللهجات، متنائية الجهات وكانت مختلفة في الوحدات السياسية، فمنها ما كان خاضعاً للدولة الرومية، ومنها ما كان قائماً بذاته مستقلاً، وكل ذلك يستتبع بالضرورة تبايناً كبيراً بين تلك الأمم العربية في مناهج الحكم وأساليب الإدارة، وفي الآداب والعادات وفي كثير من مرافق الحياة الاقتصادية والمالية".
وحدة العرب لم تتم إلا بالدين على الرغم من تشتتهم على المستوى السياسي ويوضح الشيخ عبدالرازق ذلك بقوله: "تلك الوحدة العربية التي وجدت زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم تكن وحدة سياسية بأي وجه من الوجوه، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعدُ أبداً أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة، وحدة الإيمان والمذهب الديني لا وحدة الدولة ومذاهب الملك".
جناية الملوك على الدين
يختتم الشيخ علي عبدالرازق مانفيستو نقض الخلافة الدينية والدولة الثيوقراطية، بأن طرحها الذي اتخذ شكل الفرض والإلزام واستغلال الدويلات المتعاقبة منذ صدر الإسلام إلى سقوطها لمفهومها في تمرير الاستبداد وحكم القهر أسهم في ضعف التطور السياسي لدى المسلمين وفي رأيه: "تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين أضلوهم عن الهدى، وعموا عليهم وجوه الحق، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعاً، حتى في مسائل الإدارة الصرفة والسياسة الخالصة، وقد ضيقوا عليهم أيضاً في فهم الدين وحجروا عليهم في دوائر عينوها لهم، ثم حرموا عليهم كل أبواب العلم التي تمس حظائر الخلافة".
التاريخ الإسلامي تحول إلى حقل تجارب لممارسات الخلافة الاستبدادية دون الاستفادة من تطور تجارب الأمم المحيطة، ذلك أن "الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة".
فالحكم ينبغي أن يبنى على الصالح العام والمقاصد الشرعية، وليس أن يقسر الناس على حكم دولة الخلافة، فلا شيء "في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم" .






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق